أبي الذي لا أعرفه
عندما توفي أبي، ظننت أنني أعرف كل شيء عنه. رجل هادئ يعمل محاسباً، يحب الشاي الأخضر ويقرأ الجريدة كل صباح. رجل عادي عاش حياة عادية.
ثم بدأت أرتب أغراضه.
في خزانته وجدت صندوقاً مقفلاً. كسرت القفل. بداخله عالم كامل لم أكن أعرفه. صور لأبي وهو شاب يعزف على العود في حفلات. شهادة من معهد الموسيقى. وجوائز فنية باسمه.
أبي كان فناناً. موسيقياً موهوباً ترك حلمه ليعمل محاسباً ويعيل عائلته.
وجدت أيضاً رسائل من جمعية خيرية تشكره على تبرعاته الشهرية. كان يتبرع بثلث راتبه لأيتام لم نكن نعرف عنهم شيئاً. عشرون سنة من التبرع بصمت.
ووجدت دفتراً صغيراً. فيه كتب لكل واحد منا رسالة. رسالتي كانت: "كريم، أعرف أنك تظنني رجلاً مملاً. لكنني اخترت أن أكون مملاً لأمنحك حياة مستقرة. كل حلم تخليت عنه تحول إلى حلم حققته أنت. وهذا كنز أكبر من أي موسيقى."
بكيت كثيراً في ذلك اليوم. ليس حزناً على فقدانه فقط. بل حزناً على كل السنوات التي نظرت فيها إليه ولم أره حقاً.
الآن عندما يسألني أحد عن أبي أقول: "أبي كان بطلاً. ليس من النوع الذي يرتدي رداءً ويطير. بل من النوع الذي يتخلى عن أحلامه بصمت ليصنع أحلام غيره."