البيت في آخر الشارع
كل أطفال الحي يعرفون القاعدة: لا تمشِ أمام البيت في آخر الشارع بعد المغرب. لا أحد يتذكر متى بدأت هذه القاعدة ولا من وضعها. لكن الجميع يلتزم بها.
البيت قديم جداً. جدرانه متشققة وحديقته متوحشة والباب الأمامي مائل على مفصل واحد. لكن الشيء الأكثر غرابة هو النافذة العلوية. مسدودة بالطوب من الداخل. سُدت قبل أربعين سنة بعد حادثة لا يتحدث عنها كبار السن.
عمر كان في الخامسة عشرة عندما قرر كسر القاعدة. ليس بعد المغرب فقط بل في منتصف الليل. تحدى أصدقاءه أن يدخل البيت ويبقى فيه ساعة كاملة.
دخل من الباب الخلفي المكسور. الظلام كان كثيفاً والرائحة خانقة. تراب وعفن وشيء آخر لا يعرفه. شيء حلو مثل الزهور المتعفنة.
صعد الدرج الخشبي ببطء. كل درجة تصرخ تحت وزنه. وصل إلى الطابق العلوي. أمامه ثلاثة أبواب. الباب الأوسط كان مختلفاً. عليه خدوش عميقة كأن شيئاً حاول الخروج من الداخل.
فتحه ببطء. الغرفة كانت فارغة تماماً إلا من كرسي هزاز في الوسط. والنافذة المسدودة بالطوب. لكن بين الطوب كانت هناك شقوق. ومن الشقوق كان يتسرب ضوء باهت رغم أنه منتصف الليل.
اقترب عمر من النافذة. نظر من الشقوق. ما رآه جعله يتجمد. لم يرَ الشارع الذي يعرفه. رأى شارعاً آخر. مليئاً بالناس. لكن الناس كانوا يمشون بشكل غريب. ببطء شديد. كأنهم تحت الماء. ووجوههم كانت فارغة. بلا ملامح.
ثم توقف أحدهم ونظر مباشرة نحو الشقوق. نحو عيني عمر. ورغم أنه بلا وجه، ابتسم.
ركض عمر خارج البيت ولم ينظر خلفه. في الصباح أخبر جده. الجد شحب وقال: "لهذا سددنا النافذة. لأن ما خلفها ليس شارعنا. إنه عالم آخر. وسكانه يبحثون عن باب للخروج."
