الراكب الصامت
حمزة يقود تاكسي الليل منذ خمس سنوات. رأى كل أنواع الناس. السكارى والعشاق والحزانى والضائعين. لكنه لم يرَ أحداً مثل هذا الراكب.
يظهر كل ليلة عند الساعة الثانية صباحاً في نفس الشارع. يرفع يده. حمزة يتوقف. يركب في المقعد الخلفي. يقول عنواناً واحداً بصوت خافت: "شارع الأمل، رقم 12." ثم يصمت.
لا يتكلم طوال الرحلة. لا ينظر إلى هاتفه. لا ينظر من النافذة. ينظر إلى يديه فقط. وعندما يصل يترك ورقة نقدية كبيرة على المقعد ويخرج دون كلمة. أكثر بكثير من ثمن الرحلة.
تكرر الأمر أسابيع. حمزة حاول أن يبدأ محادثة. "الجو بارد الليلة." صمت. "مباراة جيدة اليوم." صمت. "كل شيء بخير؟" صمت.
بدافع الفضول، قرر حمزة ذات ليلة أن يراقب ماذا يفعل الراكب عندما ينزل. أوقف سيارته بعيداً وراقب. الراكب مشى إلى بيت في شارع الأمل. لم يدخل. وقف أمامه وحده في الظلام. نظر إلى نافذة في الطابق الثاني. وقف عشر دقائق. ثم استدار ومشى.
في الليلة التالية لم يتحمل حمزة. عندما ركب الراكب قال: "أنا أقودك كل ليلة إلى نفس المكان. تقف أمام نفس البيت وتنظر إلى نفس النافذة ثم تمشي. لازم تخبرني."
صمت الراكب لحظة. ثم تكلم لأول مرة بأكثر من ثلاث كلمات: "في ذلك البيت تعيش ابنتي. عمرها اثنا عشر سنة. أمها لا تسمح لي برؤيتها. المحكمة حكمت لصالحها. كل ما أستطيع فعله هو أن آتي كل ليلة وأنظر إلى نافذة غرفتها وأتأكد أن النور مطفأ وأنها نائمة بأمان."
صمت حمزة. واستمر في القيادة.
من تلك الليلة لم يعد يأخذ نقوداً من الراكب. يوصله كل ليلة مجاناً. ويجلسان معاً في السيارة ينظران إلى تلك النافذة. بالصمت. لأن بعض الحب لا يحتاج كلمات.