رسائل لم تُرسل
في يوم ممطر من أيام الخريف، صعدت نورة إلى علية منزل جدتها القديم لتبحث عن صور العائلة. بين الصناديق المغبرة والأثاث المنسي، وجدت صندوقاً خشبياً صغيراً مزيناً بزهور محفورة.
فتحته بحذر فوجدت بداخله عشرات الرسائل المطوية بعناية، كل واحدة مكتوبة بخط أنيق على ورق أصفر من الزمن. كانت الرسائل موجهة إلى شخص اسمه "يوسف" ومليئة بكلمات حب عميقة.
"يوسف الحبيب، اليوم رأيتك في السوق ولم أستطع أن أقول لك ما في قلبي. كيف أخبرك أن ابتسامتك تضيء عالمي كله؟ كيف أقول لك أنني أحفظ كل كلمة قلتها لي؟"
قرأت نورة رسالة تلو الأخرى. كانت قصة حب كاملة مكتوبة عبر سنوات. لقاءات سرية في حديقة البيت القديم، هدايا صغيرة مخبأة في شقوق الجدران، ونظرات مسروقة في حفلات العائلة.
لكن الرسائل توقفت فجأة. الرسالة الأخيرة كانت مختلفة عن كل ما سبقها. كتبت فيها جدتها: "يوسف، غداً سيزوجونني من رجل آخر. لن أرسل لك هذه الرسائل أبداً. سأحتفظ بها لأنها كل ما أملك منك. سامحني."
نزلت نورة بالصندوق إلى جدتها التي كانت جالسة في حديقتها. عندما رأت الجدة الصندوق، ارتجفت يداها وامتلأت عيناها بالدموع.
"من هو يوسف يا جدتي؟" سألت نورة بلطف.
ابتسمت الجدة ابتسامة حزينة: "يوسف كان الرجل الذي أحببته قبل أن أتزوج جدك. كان جارنا. كنا نحب بعضنا لكن العائلتين رفضتا. تزوج هو وتزوجت أنا وعشنا حياتنا. لكنني لم أنسه يوماً."
"هل تعلم أنك كنت تحبينه؟"
"لا. لم أخبره أبداً. وهذا أكبر ندم في حياتي."
في تلك الليلة، بحثت نورة عن يوسف. وجدت أنه يعيش في مدينة قريبة، وحيداً بعد وفاة زوجته. أرسلت له الرسائل.
بعد أسبوع، جاء يوسف لزيارة جدتها. كان رجلاً في الثمانين بعيون لامعة. عندما رأى الرسائل بكى. وعندما رأى الجدة، قال بصوت مرتجف: "أنا أيضاً كتبت رسائل لم أرسلها."
جلسا في الحديقة ذلك المساء يقرآن رسائل بعضهما لأول مرة بعد خمسين سنة. والدموع تغسل كل سنوات الصمت.