طريق العودة
عشر سنوات في الغربة. عشر سنوات من العمل والكد والوحدة. عشر سنوات لم يزر فيها سعيد قريته. ليس لأنه لم يرد بل لأن الحياة كانت تجري أسرع من خطواته.
عندما هبطت الطائرة واستنشق هواء بلاده، شعر بشيء ثقيل يسقط من صدره. كأن حجراً كان يحمله عشر سنوات سقط أخيراً.
ركب سيارة أجرة إلى القرية. على الطريق لاحظ التغييرات. أبراج جديدة حيث كانت الحقول. شوارع مرصوفة حيث كانت طرق ترابية. محلات تجارية حيث كانت دكاكين صغيرة.
وصل إلى القرية ولم يتعرف عليها. البيوت القديمة هُدمت وبُنيت مكانها عمارات. المقهى الذي كان يجلس فيه مع أصدقائه أصبح صيدلية. الملعب الذي لعب فيه أصبح موقف سيارات.
مشى إلى بيت أمه بخطوات ثقيلة. وعندما وصل وجد البيت كما تركه. صغيراً متواضعاً بجدران بيضاء وباب أزرق. وأمام البيت شجرة الزيتون التي زرعتها أمه يوم ولادته. كبرت وأصبحت عملاقة لكنها لا تزال هناك.
طرق الباب. فتحت أمه. بدت أصغر مما يتذكر رغم التجاعيد الجديدة. نظرت إليه لحظة كأنها لا تصدق عينيها. ثم اتسعت عيناها وارتجفت شفتاها.
قالت كلمة واحدة: "سعيد." وضمته. ضمة أم لم تضم ابنها عشر سنوات. ضمة فيها كل الشوق والعتاب والحب والغفران.
دخل البيت. رائحة الخبز المنزلي ملأت أنفه. على الطاولة كان هناك صحن إضافي. سألها: "لمن هذا الصحن يا أمي؟"
ابتسمت وقالت: "أضعه كل يوم منذ عشر سنوات. كنت أعرف أنك ستعود."
جلس سعيد وأكل من يد أمه. وفي تلك اللحظة فهم أن كل ما بناه في الغربة لا يساوي هذا الصحن على هذه الطاولة في هذا البيت الصغير.