مقهى اللقاء الأخير
في مقهى صغير بزاوية شارع هادئ، كان هناك رجل عجوز يأتي كل يوم في الساعة الرابعة عصراً. يجلس على نفس الطاولة قرب النافذة ويطلب فنجانين من القهوة العربية. واحد يضعه أمامه والآخر يضعه على الجانب الآخر من الطاولة، أمام كرسي فارغ.
النادل الشاب أحمد كان يراقبه كل يوم بفضول. لم يسأله أبداً لأن في عيني الرجل حزناً عميقاً لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه.
ذات يوم، جمع أحمد شجاعته وسأل: "عمي، لمن الفنجان الثاني؟"
ابتسم الرجل وقال: "لزوجتي فاطمة. هذا المقهى هو المكان الذي التقينا فيه أول مرة قبل أربعين سنة. كانت تجلس هنا تقرأ كتاباً وسقط فنجانها فساعدتها. من يومها لم نفترق."
"وأين هي الآن؟"
"رحلت قبل سنتين. لكنني أعدتها ألا أشرب القهوة وحدي أبداً. فأنا أحضر فنجانها كل يوم وأحكي لها عن يومي. أخبرها عن الطقس وعن الجيران وعن الأحفاد."
صمت أحمد وشعر بكتلة في حلقه. من يومها، أصبح يضع وردة صغيرة على طاولة العجوز كل يوم دون أن يطلب منه أحد.
بعد أشهر، لم يأتِ الرجل العجوز. مرت أيام ثم أسبوع. جاءت امرأة شابة إلى المقهى وسألت عن أحمد. كانت حفيدة الرجل.
قالت بعيون دامعة: "جدي توفي الأسبوع الماضي. في وصيته طلب شيئاً واحداً: أن نحضر فنجانين من القهوة إلى هذا المقهى ونضعهما على هذه الطاولة في ذكرى زواجهما كل سنة."
أضافت وهي تبتسم رغم دموعها: "وقال أيضاً: اشكروا النادل الذي كان يضع الوردة. فاطمة كانت تحب الورد."
من يومها، أصبحت تلك الطاولة محجوزة دائماً. عليها فنجانان من القهوة ووردة. وأصبح المقهى يُعرف بـ"مقهى اللقاء الأخير".