نافذتان متقابلتان
في شارع هادئ وسط المدينة، عمارتان متقابلتان بينهما عشرة أمتار فقط. في الطابق الرابع من العمارة اليمنى تسكن هدى. في الطابق الرابع من العمارة اليسرى يسكن ماجد. كلاهما أصم منذ الولادة.
لاحظ ماجد هدى أول مرة وهي تسقي نباتاتها على الشرفة. ابتسم لها فابتسمت. لوح لها فلوحت. ثم اكتشف أنها تستخدم لغة الإشارة مثله.
بدأا يتحدثان عبر النافذتين. محادثات صامتة بأيدٍ تتحرك في الهواء. في البداية كانت تحيات بسيطة. ثم أصبحت محادثات طويلة عن الحياة والأحلام والمخاوف.
أخبرته أنها ترسم. فأشار لها أن تريه. رفعت لوحاتها أمام النافذة واحدة تلو الأخرى. كانت ترسم عوالم مليئة بالألوان. عوالم لا يسمع فيها أحد لكن الجميع يرى.
أخبرها أنه يكتب شعراً. كتب قصيدة على ورقة كبيرة ورفعها أمام النافذة. قرأتها ووضعت يدها على قلبها.
مرت الأشهر. كل مساء كانا يجلسان على نافذتيهما ويتحدثان بصمت. العالم كله صاخب حولهما لكنهما في فقاعة هادئة خاصة بهما.
جيرانهما كانوا يراقبونهما بابتسامة. سيدة عجوز من الطابق الثالث قالت: "هذان الطفلان يتحدثان أكثر من أي شخصين أعرفهما. والغريب أنهما لم ينطقا كلمة واحدة."
ذات يوم، رفع ماجد لافتة كبيرة أمام النافذة. كُتب عليها: "هل تنزلين؟ أريد أن أمسك يدك بدل أن أراها من بعيد."
نزلت هدى. التقيا في الشارع بين العمارتين. مد يده فمدت يدها. تلامست أصابعهما لأول مرة.
لم يسمع أي منهما صوت العالم. لكنهما شعرا بنبض قلب بعضهما من خلال أصابعهما. وكان ذلك أجمل من أي صوت.